يطرح الباحث ريتشارد يونجس رؤية تدعو الاتحاد الأوروبي إلى تبني مقاربة مختلفة تجاه الحرب في إيران. ويرى أن ردود الفعل الأوروبية ركزت بصورة كبيرة على إدانة الضربات العسكرية الأمريكية ضد إيران باعتبارها انتهاكاً للقانون الدولي، لكن هذا الموقف وحده لا يكفي لصياغة سياسة أوروبية فعالة تجاه الأزمة.
ويعرض تحليل مؤسسة كارنيجي فكرة أساسية مفادها أن رفض الحرب لا يعني الاكتفاء بالابتعاد عن الأزمة. ويجب أن يشكل هذا الرفض نقطة بداية لسياسة أوروبية أكثر نشاطاً تسعى إلى التأثير في المرحلة السياسية التالية للأزمة، مع الحفاظ على المبادئ الأوروبية المتعلقة بالقانون الدولي وحقوق الإنسان.
معادلة صعبة بين القانون الدولي وحقوق الإنسان
ترى الدراسة أن تمسك أوروبا بالقانون الدولي أمر ضروري ومبرر، خصوصاً في ظل الانتقادات الواسعة للضربات العسكرية الأمريكية. لكن الاقتصار على هذا الخطاب قد يدفع الاتحاد الأوروبي إلى موقف سلبي يكتفي بالمراقبة من بعيد.
يشير الكاتب إلى وجود قواعد دولية لا تحظر التدخل العسكري غير المشروع فقط، بل تدعم أيضاً حماية حقوق الإنسان. ولهذا السبب ينبغي على الاتحاد الأوروبي أن يوازن بين الأمرين. ويواجه التكتل الأوروبي تحدياً معقداً يتمثل في الابتعاد عن حرب يعتبرها غير شرعية، مع الاستمرار في دعم تطور سياسي أكثر انفتاحاً داخل إيران.
يرى الكاتب أن تحقيق هذا الهدف ليس سهلاً، لكنه يمثل مساراً يمكن للاتحاد الأوروبي السعي إليه إذا أراد الحفاظ على مصداقيته السياسية وقيمه الديمقراطية.
البحث عن طريق ثالث في السياسة الأوروبية
تركز معظم النقاشات الأوروبية حالياً على ضرورة مواجهة سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي يعتبرها كثير من المعلقين مغامرة غير مدروسة. ومع ذلك لم يوجه بعض القادة الأوروبيين إدانة صريحة وواضحة للهجمات العسكرية.
فقد تجنبت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والمستشار الألماني فريدريش ميرتس توجيه انتقاد مباشر يصف الهجمات بأنها غير قانونية، رغم أن بعض الوزراء الألمان عبروا عن مواقف أكثر حدة.
لكن الكاتب يرى أن الجدل الأوروبي لا يجب أن يقتصر على مسألة قانونية الحرب فقط. إذ تحتاج أوروبا إلى رسم سياسة أكثر شمولاً تأخذ في الاعتبار التطورات السياسية داخل إيران.
يقترح التحليل ما يسميه “طريقاً ثالثاً” يقوم على مبدأين متوازيين. يرفض الاتحاد الأوروبي الهجمات العسكرية غير القانونية من جهة، لكنه لا ينسحب من دعم الحقوق السياسية داخل إيران من جهة أخرى.
ويشير الكاتب إلى أن الاتحاد الأوروبي تراجع خلال السنوات الأخيرة عن دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان داخل إيران، إذ ركزت السياسات الأوروبية بدرجة كبيرة على المفاوضات النووية. وقد انتقد نشطاء إيرانيون هذا التوجه واعتبروا أنه همش مطالب الإصلاح السياسي.
دعم الإصلاح السياسي داخل إيران
يرى التحليل أن الاتحاد الأوروبي يستطيع إظهار استقلاليته عن الولايات المتحدة عبر دعم التحول الديمقراطي داخل إيران بطرق غير عسكرية. فلا تملك واشنطن موقفاً واضحاً بشأن مستقبل النظام السياسي الإيراني، ما يفتح المجال أمام أوروبا لطرح مبادرات مختلفة.
ولا يعني ذلك أن الاتحاد الأوروبي يستطيع فرض التغيير داخل إيران، لأن هذا الدور يعود أساساً إلى الإيرانيين أنفسهم. لكن يمكن لأوروبا تقديم دعم سياسي وتقني يساعد القوى الإصلاحية داخل البلاد.
يقترح الكاتب إنشاء صندوق أوروبي مرن يخصص لدعم التحولات الديمقراطية عندما تظهر فرص سياسية مناسبة. ويمكن لهذا الصندوق التحرك بسرعة في اللحظات التي تتصاعد فيها الاحتجاجات أو تظهر فيها بوادر إصلاح سياسي.
يشير التحليل إلى أن الإيرانيين نظموا خلال العقدين الماضيين موجات متكررة من الاحتجاجات المطالبة بالإصلاح. وقد ساعدت هذه التجارب في بناء شبكات سياسية ومدنية قادرة على الدفع نحو التغيير. لكن الاحتجاجات وحدها لا تؤدي غالباً إلى تحول ديمقراطي كامل.
يتطلب الانتقال السياسي بناء تحالفات معقدة بين قوى المجتمع المدني والاقتصاد وبعض مراكز القوة داخل النظام السياسي. ويمكن للدعم الخارجي أن يساعد في تنسيق هذه العلاقات وتبادل الخبرات المستفادة من تجارب التحول الديمقراطي في دول أخرى.
ويؤكد الكاتب أهمية إنشاء منصات حوار تجمع بين الإيرانيين في الداخل والجاليات الإيرانية في الخارج. إذ يؤدي الانقسام بين هذه الأطراف في كثير من الأحيان إلى إضعاف فرص الإصلاح السياسي.
كما يشير إلى ضرورة إدارة التنافس بين القوى المعارضة في الخارج، مثل أنصار ولي العهد السابق رضا بهلوي وبعض الجماعات الكردية، لأن صراعات هذه الأطراف قد تدفع أي فرصة للإصلاح نحو الفوضى أو الحرب الأهلية.
أوروبا أمام اختبار سياسي مهم
يؤكد الكاتب أن بعض المنتقدين يرون أن التدخل الأمريكي في إيران غير شرعي إلى درجة تدفع الاتحاد الأوروبي إلى الابتعاد الكامل عن الأزمة. وقد اتبعت أوروبا موقفاً مشابهاً بعد غزو العراق عام 2003 عندما فضلت الابتعاد عن التدخلات الأمريكية.
لكن الكاتب يحذر من أن هذا النهج قد يدفع الإيرانيين إلى دفع ثمن سياسات لم يشاركوا في صنعها. لذلك تحتاج الحكومات الأوروبية إلى التفكير في المرحلة التالية للأزمة بدلاً من الاكتفاء بإدانة الحرب.
ويرى التحليل أن دعم الإصلاح السياسي داخل إيران قد يمنح الاتحاد الأوروبي فرصة لاستعادة نفوذه الاستراتيجي في المنطقة. كما يمثل هذا الملف اختباراً حقيقياً للسياسة الأوروبية التي تربط بين الأمن والديمقراطية في علاقاتها الخارجية.
ويختم الكاتب بالإشارة إلى أن تجاهل مطالب الإيرانيين الداعية إلى دعم التحول الديمقراطي سيقوض التزام أوروبا المعلن بالإنصات إلى أصوات الشعوب في سياساتها الخارجية، وسيضعف مصداقيتها في الدفاع عن القيم الديمقراطية على الساحة الدولية.
carnegieendowment.org/europe/strategic-europe/2026/03/the-eu-needs-a-third-way-in-iran

